نجح فريق من طلاب المعهد التكنولوجي العالي HTI في تحويل أزمة المخلفات الزراعية الموسمية في مصر إلى فرصة اقتصادية وبيئية واعدة، عبر ابتكار مشروع لإنتاج فحم أخضر صديق للبيئة يعتمد بالكامل على تدوير المتبقيات الزراعية بدلاً من قطع الأشجار والغابات, وذلك إطار مشروع تخرجهم.
البداية من قلب المشكلة
تقول سلمى محمد، منسقة فريق المشروع، إن الفكرة ولدت من رحم مشكلتين تؤرقان المجتمع البيئي في مصر وهما أزمة السحابة السوداء الناتجة عن حرق المخلفات الزراعية، وتزايد معدلات قطع الأشجار لإنتاج الفحم التقليدي. ومن هنا جاء التفكير في إعادة التدوير لتقليل التلوث وصناعة منتج حيوي يحمي الطبيعة ويوفر بديلاً مستداماً.
وتوضح منسقة الفريق أن اختيار المخلفات الزراعية مثل قش الأرز، وحطب الذرة، ومخلفات النخيل كمادة أساسية للإنتاج لم يكن عشوائياً، بل لكونها مواد متجددة تنمو كل موسم بعكس الأشجار التي تستغرق سنوات طويلة لتكبر، فضلاً عن توافرها بكميات ضخمة وبأسعار زهيدة في السوق المحلي دون استغلال حقيقي، مما يجعلها مادة خام مثالية لخفض تكلفة الإنتاج وتطهير الأراضي الزراعية من مسببات الحرائق.
المعادلة البيئية.. طن أخضر في مواجهة التصحر

وعن العائد البيئي للمشروع، تؤكد سلمى محمد أن الفحم الأخضر يساهم بشكل مباشر في منع حرق المخلفات مما يقلل من ظهور السحابة السوداء ومعدلات الإصابة بأمراض الصدر، مشيرة إلى أن إنتاج كل طن من الفحم الأخضر يعادل إنقاذ مساحات واسعة من الأشجار من القطع، وهو ما يحد من ظاهرة التصحر ويحافظ على التنوع البيولوجي عبر تحويل مخلفات بلا قيمة إلى منتج نافع على الأرض.
وفي مقارنة علمية بين المنتج المبتكر والوقود التقليدي، تشير منسقة المشروع إلى أن الفحم التقليدي يتسبب في انبعاثات كثيفة ودخان خانق وينتهي سريعاً برماد كثيف غير قابل للاستخدام، في حين يتميز الفحم الأخضر بأنه يطلق دخاناً وروائح أقل، ونسبة كربون منخفضة، فضلاً عن قدرته على الاشتعال لفترات أطول بحرارة أعلى، مع إنتاج رماد قليل جداً يمكن إعادة استخدامه كسماد عضوي غني للتربة الزراعية.
اختبارات عملية ونتائج قياسية
ولم تتوقف جهود الفريق عند التصميم النظري، بل خضع المنتج لاختبارات عملية صارمة في المعامل وعلى أجهزة الطهي والشواء. وتكشف سلمى محمد عن النتائج التي أظهرت تفوقاً ملموساً؛ حيث سجل الفحم الأخضر درجة حرارة عالية وثابتة تتراوح بين 600 إلى 800 درجة مئوية، وحقق خفضاً في نسبة الدخان والروائح بنسبة تصل إلى 80 بالمئة مقارنة بالفحم العادي، مما يجعله آمناً تماماً على العين والرئة، بجانب توفيره الاقتصادي نتيجة بطء معدل احتراقه.
وتتسع دائرة المستفيدين من هذا الابتكار لتشمل المزارعين الذين حققوا عائداً مادياً من بيع مخلفات كانوا يتخلصون منها بالحرق، مرورا بالمستهلكين في البيوت والمطاعم الذين يحصلون على وقود نظيف وآمن، وصولاً إلى الدولة التي ستوفر ميزانيات ضخمة كانت توجّه لمكافحة التلوث والسحابة السوداء.
تحديات التنفيذ وطموح التوسع
ورغم النجاح الفني، إلا أن الفريق واجه تحديات ملموسة في رحلته، تلخصها منسقة التيم في صعوبة تغيير ثقافة المستهلك التقليدي وإقناعه بجودة المنتج الأخضر، بالإضافة إلى التحديات اللوجستية المرتبطة بجمع ونقل المخلفات من الحقول، وارتفاع تكلفة تمويل خطوط الإنتاج والماكينات الخاصة بالكبس والتفحيم في المراحل الأولى.
وتتطلع المجموعة إلى التوسع المستقبلي من خلال زيادة خطوط الإنتاج لتغطي محافظات الدلتا والصعيد، وعقد شراكات استراتيجية مع الجمعيات الزراعية ووزارة البيئة لتسهيل عمليات التجميع، وصولاً إلى التصدير لأسواق الخليج وأوروبا التي تشهد طلباً متزايداً على المنتجات المستدامة.
رسالة سلمي للشباب من خلال تجربتها
وفي ختام حديثها، وجهت سلمى محمد رسالة ملهمة للشباب قائلة إن ريادة الأعمال لا تحتاج إلى رأس مال ضخم بقدر ما تحتاج إلى فكرة تخدم الناس والبيئة، مشيرة إلى أن النفايات التي يراها البعض عبئاً، رآها الفريق فرصة استثمارية وحلاً بيئياً عبر التفكير خارج الصندوق. ودعت منسقة المشروع الشباب للمشاركة في هذه المنظومة مستقبلاً، سواء كشركاء لوجستيين عبر جمع وتوريد المخلفات للمصانع، أو كمسوقين رقميين لنشر المنتج في قطاعات الضيافة، أو كباحثين لتطوير قوالب الفحم وإضافة نكهات جديدة للشواء، مؤكدة أن أبواب التطوع مفتوحة دائماً لنشر الوعي البيئي وحماية كوكب الأرض.

