تقرير: غادة مصطفي
لا تبدو قطرات الزيت التى تنسكب من المقلاة شيئا ذا قيمة، لكن خلف هذه القطرات قصة بيئية واقتصادية وصحية متشابكة. فبينما يتسبب التخلص العشوائى من الزيوت فى انسداد شبكات الصرف وتلوث المياه، تفتح إعادة الاستخدام والتدوير أبوابًا واسعة لصناعات جديدة وموارد طاقة نظيفة. هذا الملف الذى بدأ من داخل المنازل والمطاعم، أصبح اليوم على
طاولة وزارات البيئة والصحة والصناعة، وتحوله دول العالم إلى نموذج ناجح لتقليل التلوث وتوفير الطاقة.
عملية إعادة تدوير زيت الطهي
يحذر خبراء التغذية من إعادة استخدام زيت القلي أكثر من مرة أو مرتين، إذ تؤدى الحرارة المرتفعة إلى تكوين جذور حرة ومركبات قطبية ترتبط بأمراض القلب والسكري والسرطان، فضلاً عن تغير طعم ورائحة الطعام. وتوصى الدراسات بتصفية الزيت وتخزينه لفترة لا تتجاوز أربعة أسابيع، مع ضرورة التخلص منه فورًا عند تغير اللون أو الرائحة.
إعادة تدوير زيت الطهي المستعمل تمر بسلسلة خطوات منسقة تبدأ من داخل المنازل والمطاعم، حيث يتم تجميع الزيت بعد تبريده وتصفيته من بقايا الطعام، ثم حفظه في عبوات محكمة الإغلاق تمهيًدًا لنقله عبر سيارات مخصصة إلى المصانع المرخصة. هناك تبدأ عمليات التنقية والترشيح لإزالة المياه والشوائب، تليها مرحلة المعالجة الحرارية التي تعيد للزيت خصائصه وتحضره للاستخدامات الجديدة.
ويوجه جزء كبير من الزيت إلى صناعة الوقود الحيوي عبر تفاعل كيميائي دقيق يحوله إلى مصدر طاقة نظيفة يمكن استخدامه في تشغيل الأفران والمولدات وبعض المحركات، بينما يذهب جزء آخر إلى مصانع الصابون والمنظفات، حيث يخلط بالصودا الكاوية ليخرج في صورة منتجات نظافة عالية الجودة.
وتخضع المنتجات النهائية للفحص المعملي قبل طرحها في الأسواق، لضمان مطابقتها للمواصفات، في وقت تؤكد فيه الجهات البيئية أن هذه المنظومة لا تسهم فقط في حماية شبكات الصرف والمياه من التلوث، بل تفتح أيضًا مجالات اقتصادية جديدة وتوفر فرص عمل، مع الحد من ظاهرة الغش الغذائي الناتج عن إعادة استخدام الزيت في القلي بشكل غير آمن.
وتعد إعادة تدوير زيت الطعام لغرض بيعه كزيت جديد جريمة غش تجارى، يعاقب عليها القانون بالسجن والغرامة، حماية لصحة المستهلك، فى ظل انتشار ممارسات جمع الزيت المستعمل من المطاعم وخلطه بزيوت جديدة. في المقابل، توفر إعادة الاستخدام فرصًا آمنة ومفيدة؛ حيث يمكن تحويل الزيت لصناعة الصابون، الشحوم، الوقود الحيوي، أو علف الحيوانات بشروط صحية دقيقة.
مبادرة انتِ البداية.. النساء فى قلب الحل
أطلقت وزارة البيئة في عصر الوزيرة السابقة, الدكتورة ياسمين فؤاد, مبادرة “إنتِ البداية”, بدأت فكرة المبادرة عندما تسببت الزيوت المستعملة فى تلف مواسير الصرف بالمنازل، ليظهر سؤال بسيط: لماذا لا نعيد استخدامها بطريقة مفيدة ؟
أطلقت إحدى الشركات حملات عبر مواقع التواصل، تجمع الزيت من المنازل مقابل هدايا أو منتجات نظافة، ولاقت استجابة كبيرة من ربات البيوت.
هذه التجربة دفعت وزارة البيئة لتبنى المبادرة من خلال بروتوكول تعاون مع القطاع الخاص تحت عنوان إنت البداية, لتمكين السيدات من جمع زيوت بيوتهن، وتقديم خدمة تدوير تخدم نحو 1000 أسرة شهريًا، مع خطة للوصول إلى أكثر من 5ملايين أسرة لتحسين جودة المياه وتقليل التلوث.
اعادة تدوير زيوت المحركات والتشحيم
تصنف زيوت المحركات المستعملة كمخلفات غير خطرة، لكنها تحتاج لمنظومة تجميع ومعالجة دقيقة. فإعادة تدويرها توفر موارد النفط الخام وتقلل تلوث الهواء والمياه، وتخلق فرص عمل فى صناعات جديدة. زيوت المحركات المستعملة لا تعد مجرد مخلفات تتلف، بل تعامل اليوم كـ ثروة صناعية يمكن استعادتها بأسلوب منظم يعيدها للدورة الإنتاجية.
تبدأ العملية داخل مراكز الصيانة ومحطات الخدمة، حيث تجمع الزيوت بعد تغييرها في حاويات معدنية محكمة، ثم تنقل إلى مصانع إعادة التدوير المرخصة. في هذه المصانع يخضع الزيت لمراحل دقيقة تشمل إزالة المياه والرواسب المعدنية، ثم الترشيح والفصل باستخدام أجهزة طرد مركزي، قبل دخوله مرحلة التقطير الحراري التي تن قيه من الشوائب الثقيلة. بعدها يعاد خلط المنتج بمواد مضافة تمنحه خصائص التشحيم المطلوبة، ليخرج في صورة زيوت جديدة مطابق للمواصفات يمكن استخدامها مرة أخرى في المحركات والصناعات، بينما يحول جزء آخر إلى وقود صناعي لتشغيل الأفران والمولدات.
وتشير جهات بيئية إلى أن هذه الدورة الصناعية تقلل الاعتماد على النفط الخام، وتحد من التلوث الناتج عن التخلص العشوائي ،وتوفر فرص عمل في مجالات النقل والمعالجة والجودة، ليصبح زيت المحركات المستعمل نموذجًا ناجحًا لكيف يمكن للمخلفات أن تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية. والوكالة الأمريكية لحماية البيئة تؤكد أن إعادة تكرير الزيت المستعمل تحتاج ثلث الطاقة اللازمة لتكرير النفط الخام، وتنتج منتجات عالية الجودة بتكلفة أقل.
تجارب دولية ملهمة
حققت دول مثل ألمانيا، كندا واليابان نماذج ناجحة لجمع ومعالجة الزيوت:
• شبكات رسمية للتجميع من المنازل والمطاع
• مصانع لإنتاج البيوديزل والوقود الصناع ى
• تشريعات صارمة تمنع إعادة استخدام زيت الطعام فى القلى
• حملات توعية مجتمعي
وقد ساهمت هذه البرامج فى تقليل التلوث وتحقيق وفر اقتصادى كبير، وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة.
آفاق الاستثمار.. من المطبخ إلى الطيران
تدرس وزارة البيئة الاستثمار فى إنتاج الديزل الحيوى ووقود الطيران المستدام من زيوت الطعام المستعملة، باستثمارات تصل إلى 200 مليون دولار، فى ظل تطبيق قانون المخلفات 202 لسنة 2020. وخبراء مثل الدكتور أحمد سعيد، بالمركز القومى للبحوث، يؤكدون أن استخدام الزيت فى صناعة البيوديزل والشحوم والبويات مشروع ناجح، ونقلة لمستقبل الطاقة.
مما رسخ أنه لم تعد الزيوت المستعملة عبئا يلقى فى البالوعات أو صناديق القمامة، بل أصبحت موردًاً اقتصاديًا وبيئيًا مهمًا. وبين حماية صحة المواطنين ومنع الغش، وتوفير مصادر جديدة للطاقة، يظهر اتجاه عالمى واضح :التخلص الذكي من الزيت هو استثمار فى المستقبل.

