شاركها
في قلب المدن الإسمنتية المزدحمة، حيث تندر المساحات الخضراء وتتصاعد الانبعاثات الكربونية، ولدت فكرة غير تقليدية لم تكتفِ بالتشجير لمجرد التجميل، بل جعلت من “اللقمة الحلال” والتمكين الاقتصادي هدفاً لها. مبادرة “شجرها” التي انطلقت من فكرة عابرة لمهندس بترول، تحولت اليوم إلى حراك مجتمعي يغزو الشوارع والمدارس، مستبدلاً أشجار الزينة بأخرى مثمرة تطعم الجائع وتنقي الهواء. التقينا بالمهندس عمر الديب، مؤسس المبادرة، ليحكي لنا رحلة التحول من مهندس في قطاع البترول إلى قائد لأكبر جيش أخضر لزراعة الأشجار المثمرة في مصر .
كيف ولدت فكرة “شجرها” ومن أين استلهمت هذه المبادرة؟
الفكرة ولدت من مشهد إنساني بسيط ولكنه مؤثر جداً؛ كنت في ذلك الوقت أعمل مهندساً للبترول وأسكن بمدينة العبور، وفي أحد الأيام وقفت في شرفتي “البلكونة” فرأيت شخصاً من المحتاجين يأكل من شجر “توت” أمام البيت. في تلك اللحظة سألت نفسي: “لماذا لا نزرع أشجار فاكهة في كل شوارعنا؟”. لو فعلنا ذلك، سيجد كل محتاج طعاماً نظيفاً بدلاً من البحث في النفايات. لم أنتظر طويلاً، وقررت في اليوم التالي مباشرة (13 أبريل) أن أبدأ التنفيذ ونشر الفكرة، وبحلول 17 أبريل بدأ التفاعل من أصدقائي وزرعنا أول 10 شجرات، ومن هنا انطلقت الصفحة وبدأ الانتشار.
تتبنى المبادرة شعار “الأشجار المثمرة” بدلاً من أشجار الزينة التقليدية.. ما هو الفارق الذي تصنعه هذه الأشجار بيئياً واقتصادياً؟
فلسفة “شجرها” تقوم على أن الشجرة يجب أن تكون مصدراً للغذاء والجمال معاً. زراعة الأشجار المثمرة في أماكن عامة تتيح للجميع الوصول لغذاء مجاني وصحي، وهذا له أبعاد اقتصادية واجتماعية قوية. أما بيئياً، فالأثر ضخم جداً؛ الشجرة الواحدة تمتص كميات هائلة من الكربون سنوياً. نحن نتحدث اليوم عن زراعة قرابة 600 ألف شجرة، ليس في مصر فقط بل في عدة دول عربية، ولو حسبنا إجمالي انبعاثات الكربون التي تم امتصاصها من خلال هذه الأشجار، سنجد نتائج مذهلة تساهم بوضوح في تحسين جودة الهواء ومكافحة التغير المناخي.
ما هي المعايير التي تختارون على أساسها نوعية الأشجار ومواقع زراعتها؟
نحن نختار الأشجار التي تتمتع بـ “الجلد والصبر”؛ بما أننا نزرع في الشوارع، فنحن نبحث عن أنواع تتحمل الملوحة العالية والجفاف الشديد. على سبيل المثال، نفضل زراعة “الليمون” لأنه يحتوي على أشواك تحميه طبيعياً من العبث، وهكذا في كل منطقة ندرس طبيعتها ونزرع ما يناسبها لضمان بقاء الشجرة ونموها في ظل ظروف الشارع القاسية.
واجهتكم في البداية تحديات صعبة تتعلق ببقاء الأشجار وعدم اقتلاعها، بالإضافة إلى التحديات القانونية.. كيف تعاملتم مع هذه العقبات؟
التحديات كانت كثيرة فعلاً؛ في البداية كان الشجر يتم اقتلاعه أو إزالته أحياناً، ولحل هذه الأزمة تحركنا في مسارين. الأول قانوني، من خلال التواصل المباشر مع الأحياء وأجهزة المدن لنحصل على تصاريح رسمية للزراعة بشكل قانوني يحمي مجهودنا. أما المسار الثاني فهو “المشاركة المجتمعية”؛ فنحن لا نذهب لنزرع في مكان والناس غافلون عما نفعله، بل نتواصل مع سكان المنطقة أولاً ونشجعهم على الزراعة معنا، لأن الشخص الذي يزرع الشجرة بيده هو من سيحميها ويحافظ عليها مستقبلاً، بخلاف ما إذا جاءت شركة أو مبادرة غريبة وزرعت ورحلت.
أشرت سابقاً إلى وجود تحدٍ يتعلق بـ “سيكولوجية” بعض الموظفين والمسؤولين.. ماذا كنت تقصد بذلك؟
كنت أقصد “عقلية الروتين”؛ واجهنا في البداية نوعاً من الممانعة من بعض مديري المدارس أو الموظفين الحكوميين الذين لا يريدون إشغال عقولهم بأي عمل إضافي أو مجهود جديد، حتى لو كان مفيداً. لكن بمرور الوقت، ومع تطبيق التجربة في مدرسة واثنتين بفضل مسؤولين متفتحين، بدأ الآخرون يشاهدون النماذج الناجحة على أرض الواقع، فتحولت العقلية من الرفض إلى الطلب، وأصبحت المدارس الآن هي من تتواصل معنا وتطلب زراعة الأشجار المثمرة لديها.
وكيف كان رد فعل المواطن العادي في الشارع عندما يراكم تزرعون مئات الأشجار في وقت واحد؟
التفاعل كان متبايناً ومثيراً للاهتمام؛ هناك قطاع كبير اهتم جداً ونزل ليشاركنا الزراعة، خاصة الأطفال الذين يشعرون براحة نفسية كبيرة في هذا العمل. وعلى الجانب الآخر، كان هناك من يسخر أو يشكك قائلاً: “ماذا تفعلون؟ الناس ستقطع الشجر أو تأكله قبل أوانه”. ردي كان دائماً بـ “الكثافة”؛ فنحن نزرع 100 أو 200شجرة في الشارع الواحد، فإذا فكر شخص في إتلاف 30 شجرة، سيبقى 70 غيرها. هذه الوفرة تجعل الناس لا تتشاجر على الثمار بل تشعر بالأمان الغذائي والجمال، والحمد لله نجحنا في تجاوز هذه التحديات بالاستمرارية.
هل لمستَ مردوداً اجتماعياً واقتصادياً حقيقياً يتجاوز مجرد فكرة التشجير وتلطيف الجو؟
بكل تأكيد، المردود الاجتماعي مذهل؛ فالزراعة في المناطق السكنية تحولت إلى “يوم ترفيهي” يجمع الجيران الذين ربما لا يلتقون في العادة إلا نادراً. هذا النشاط يخلق حالة من الترابط، ويجعل السكان يشعرون بملكية حقيقية للمكان، فتجدهم يتشاركون في رعاية الزرع ومتابعته. أما المردود الاقتصادي فيعتمد على جودة المتابعة؛ وهناك نماذج ملهمة بالفعل، مثل عامل بمدرسة “الجمهورية الجديدة” الذي زرعنا معه قرابة 300 شجرة، والآن المدرسة تنتج كميات ضخمة من الثمار يتم توزيعها، وهذا مجرد نموذج واحد من بين مئات النماذج الناجحة.
وماذا عن خططكم المستقبلية؟ إلى أين تطمح مبادرة “شجرها” أن تصل في السنوات القادمة؟
طموحنا كبير، ونحن نسعى ونخطط للوصول إلى زراعة “مليون شجرة” بحلول عام 2030 بإذن الله. نحن نؤمن بأن هذا الرقم ليس بعيد المنال إذا تضافرت الجهود وتوسعنا في نشر ثقافة المشاركة المجتمعية التي بدأناها. استراتيجيتنا لا تعتمد على أن نقوم نحن بزراعة كل شيء بأيدينا، بل نهدف إلى الوصول لكل فرد لإقناعه بزراعة شجرة واحدة. نحن لا نريد زراعة 3 ملايين شجرة بمجهودنا المنفرد، بل نريد “3 ملايين فرد” يزرع كل منهم شجرة واحدة. بهذا المنطق، سنحقق المستهدف بمجهود أقل وأثر أعمق، لأن كل شخص سيزرع شجرته بنفسه سيحدث تغييراً جذرياً في بيئته المحيطة وسيكون هو الحارس الأول لها.

