وسط أكوام القمامة والمخلفات في منطقة حدائق القبة بالقاهرة، بدأت فكرة مختلفة بالنسبة لـ “مؤسسة ازرع شجرة للتنمية الاجتماعية”؛ فالمكان الذي كان يُعد واحدًا من أكبر مقالب القمامة في المنطقة، بمساحة تقارب فدانًا كاملًا، تحوّل مع الوقت إلى مساحة خضراء ومركز للتوعية البيئية، في تجربة تسعى المؤسسة من خلالها إلى نشر ثقافة الاستدامة والتغيير المجتمعي.
يقول نبيل محروس، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، إن البداية جاءت بعد ملاحظة حجم الإهمال والمخلفات الموجودة في الموقع، ما دفع فريق العمل للتفكير في تحويله إلى مشروع يخدم المجتمع والبيئة في الوقت نفسه. وأضاف: “قلنا بدل ما يفضل المكان مهمل، ليه ما نحولوش لمكان يتعلم فيه الناس والأطفال أهمية البيئة والزراعة؟”.
90 يوماً من التحدي: ميلاد مدرسة بيئية
وخلال 90 يومًا فقط، تمكن فريق المؤسسة من إزالة نحو 140 حاوية من القمامة والمخلفات، قبل أن يبدأ العمل على إعادة تنظيم المكان وتقسيمه إلى مساحات تعليمية مختلفة. وأوضح محروس أن المشروع تطور لاحقًا ليصبح أول مدرسة بيئية في مصر والشرق الأوسط تحت اسم “مركز الوعي البيئي”، والذي انطلق عام 2017 وما يزال مستمرًا حتى اليوم.
ويضم المركز عدة أقسام، من بينها مناطق لتعليم الأطفال الرسم والزراعة، وأخرى لإعادة تدوير المخلفات، بالإضافة إلى نماذج للزراعة الحديثة والطاقة الشمسية، فضلًا عن إنشاء منحل للزهور.
استراتيجية التأثير واستهداف الفئات المجتمعية
وأشار محروس إلى أن المؤسسة تستهدف ثلاث فئات رئيسية، تبدأ بالأطفال من خلال أنشطة التوعية البيئية، مرورًا بالشباب عبر برامج ريادة الأعمال الخضراء، ومنها مبادرة “كن سفيرًا” بالتعاون مع وزارة التخطيط، وصولًا إلى السيدات، بهدف نشر الوعي وتغيير السلوك المجتمعي تجاه البيئة.
رؤية المؤسسة للتشجير
وفيما يتعلق بمشروعات التشجير، أوضح محروس أن المؤسسة أطلقت عام 2017 مبادرة لزراعة مليون و200 ألف شجرة مثمرة في مدارس محافظات الأقصر وسوهاج والفيوم، كما انتهت مؤخرًا من زراعة سبعة آلاف شجرة ضمن مبادرة “القاهرة الخضراء صديقة للبيئة”.
كذلك تعمل المؤسسة حاليًا على مشروع “نفحات خضراء” في مدينة دسوق، إلى جانب مبادرة “مراكز شباب خضراء صديقة للبيئة” التي تستهدف مراكز الشباب بالقاهرة. وأكد أن المؤسسة تركّز بشكل أكبر على المدن ذات الكثافة السكانية العالية، إلى جانب المناطق السياحية مثل شرم الشيخ والغردقة، لما تمثله المساحات الخضراء من أهمية بيئية وسياحية.
دليل الأشجار المناسبة
وفي إطار اختيار أنواع الأشجار المناسبة، أوضح محروس أن المؤسسة تعتمد على دليل صدر في مايو 2025 بالتعاون بين وزارتي الزراعة والبيئة وعدد من الخبراء الدوليين، ويحدد أنواع الأشجار الملائمة لكل منطقة جغرافية وطبيعة التربة فيها.
وأشار محروس إلى أن المؤسسة قامت بطباعة هذا الدليل وتوزيعه على الجهات التنفيذية لضمان زراعة الأشجار المناسبة لكل بيئة، وذلك لتحقيق أقصى استفادة بيئية ممكنة وضمان استدامة تلك الأشجار.
التكريم دافع للاستمرار
ورغم التحديات التي تواجه العمل البيئي، يؤكد محروس أن التكريمات التي حصلت عليها المؤسسة كانت دافعًا للاستمرار؛ مشيرًا إلى أن “ازرع شجرة” فازت ثلاث مرات متتالية ضمن المبادرة الوطنية للمشروعات الخضراء الذكية.
وهو ما منح الفريق شعورًا بالفخر ورغبة أكبر في مواصلة العمل والتوسع بالمبادرات البيئية داخل مختلف المحافظات، تأكيداً على دور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق التنمية المستدامة.

