حوار: رنيم محروس
في ظل تسارع وتيرة التغيرات المناخية عالميًا، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الموارد المائية والأمن الغذائي في مصر، خاصة مع اعتمادها شبه الكامل على نهر النيل كمصدر رئيسي للحياة. فبين انخفاض معدلات الأمطار على منابع النهر، وارتفاع درجات الحرارة، وتهديدات تملّح التربة وتراجع الإنتاج الزراعي، تبرز تحديات معقّدة تتجاوز الأبعاد البيئية لتطال الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. في هذا السياق، أجرى موقع GREEN Z حوارًا مع الدكتور هشام عيسى، خبير المناخ ومستشار استراتيجي في التكيف مع التغيرات المناخية، ناقش فيه أبرز تأثيرات التغير المناخي على نهر النيل والزراعة، وآليات التكيف التي تعتمدها الدولة لمواجهة هذه التحديات.
كيف تقيّم خطورة التغير المناخي على مستقبل نهر النيل والأمن المائي في مصر خلال السنوات المقبلة؟
وفقًا لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة، تُصنَّف مصر ضمن الدول الأكثر تعرضًا لمخاطر التغير المناخي، مع تعدد بؤر الخطورة، وعلى رأسها التصحر وتأثيره المباشر على مياه نهر النيل.
ويتمثل التأثير المباشر في انخفاض معدلات الأمطار على هضبة الحبشة، المصدر الرئيسي لمياه النهر، ما قد يؤدي إلى تراجع الحصة السنوية لمصر المقدرة بنحو 55.5 مليار متر مكعب.
ومع وجود عوامل ضغط إضافية مثل سد النهضة، ينعكس هذا التراجع على نسب الري الموجهة للقطاع الزراعي، خاصة في مناطق شمال الدلتا مثل كفر الشيخ والبحيرة.
أما التأثير غير المباشر، فيظهر في ارتفاع مستوى سطح البحر، وما يترتب عليه من تملّح التربة وفقدان خصوبتها، وهو ما يضر بالزراعة. ولمواجهة نقص المياه، تضطر الدولة لتنفيذ مشروعات لإعادة استخدام المياه، وهي مشروعات مرتفعة التكلفة ولا تحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا، ما يشكل عبئًا على الاقتصاد العام.
كما قد يؤدي تراجع خصوبة الأراضي الزراعية إلى موجات هجرة داخلية للفلاحين، بما يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
ما التغيرات المناخية التي بدأت تظهر على نهر النيل؟ وهل المشكلة الأساسية في نقص المياه أم في عدم انتظامها؟
لا يمكن القول إن مصر تواجه مشكلة نقص مياه حقيقية بقدر ما تعاني من عدم انتظام التدفقات المائية بين فترات الجفاف والفيضانات. فالحصيلة المائية تظل ضمن إطار الموازنة المائية، لكن المشكلة تكمن في توقيت وكفاءة وصول المياه.
هذا الوضع يدفع الدولة إلى اتباع سياسات ترشيد دقيقة تقوم على موازنة الموارد المتاحة مع مختلف الاستخدامات، وهي إجراءات يكون لها في الغالب تأثير سلبي مباشر على القطاع الزراعي، خاصة المناطق التي تعتمد على الري المنتظم.
كيف أثّر ارتفاع درجات الحرارة والتغير المناخي على إنتاجية المحاصيل الزراعية في مصر؟
يؤثر ارتفاع درجات الحرارة بشكل مباشر على إنتاجية المحاصيل الزراعية، إذ يؤدي إلى تلف نسبة كبيرة منها، خاصة المحاصيل الصيفية سريعة التلف، لا سيما في ظل غياب منظومة فعالة لجني المحاصيل ونقلها في التوقيت المناسب.
وفي كثير من الأحيان، تتلف المحاصيل وهي لا تزال في الأرض، كما يسهم التغير المناخي في زيادة انتشار الآفات الزراعية، ما يؤدي إلى فقدان جزء كبير من الإنتاج.
ولمواجهة هذه الخسائر، يلجأ المزارعون إلى استخدام المبيدات الحشرية، وهو ما لا ينعكس فقط على المحصول، بل يمتد أثره ليشمل مخاطر صحية على المواطنين. والمحاصيل الاستراتيجية الرئيسية لن تختفي، لكنها ستواجه ارتفاعًا ملحوظًا في تكاليف إنتاجها نتيجة التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي. هذه التحديات تدفع الدولة إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد لتلبية الاحتياجات المحلية، في ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي، ما يؤدي إلى تقليص المساحات المزروعة من بعض هذه المحاصيل داخل مصر.
كيف يمكن لمصر التكيف مع التغيرات المناخية المؤثرة على نهر النيل والزراعة دون انتظار حلول خارجية؟
تُصنَّف مصر كدولة نامية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ، وبموجب اتفاق باريس، لا سيما المادة التاسعة، تلتزم الدول المتقدمة بتقديم دعم مالي للدول النامية لمساعدتها على التكيف مع آثار التغير المناخي. وبالتالي، فإن التمويل المناخي يُعد التزامًا دوليًا .
وتعتمد مصر، ضمن استراتيجياتها المناخية، على مصادر التمويل الدولية مثل الصندوق الأخضر للمناخ والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وهي جهات ملزمة بتوجيه جزء من تمويلها لمواجهة المخاطر المناخية.
ورغم ذلك، لم تنتظر الدولة هذا التمويل، بل نفذت بالفعل مشروعات ممولة من الميزانية الوطنية، من بينها إعادة استخدام مياه الري، ومعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي، والتوسع في تحلية مياه البحر، إلى جانب مشروعات تبطين الترع.
كما وضعت وزارة الموارد المائية والري استراتيجية واضحة يجري تنفيذها حاليًا بالتمويل المحلي، تمهيدًا لاستكمالها بتمويل خارجي مستقبلًا.
ما دور الزراعة الذكية مناخيًا ونظم الري الحديثة في تقليل خسائر المياه والمحاصيل؟
تُعد الزراعة الذكية مناخيًا إحدى الأدوات الرئيسية للحد من آثار التغيرات المناخية، لاعتمادها على التكنولوجيا الحديثة في إدارة الموارد الزراعية. وقد شهدت مصر تراجعًا تدريجيًا في أسلوب الري الدائم، مقابل التوسع في استخدام نظم ومعدات ذكية تقلل من غمر الأراضي بالمياه وترفع كفاءة استخدامها.
كما تمثل إعادة استخدام مياه الري أو مياه الصرف إحدى الآليات المهمة للتكيف مع نقص المياه. وتشمل الزراعة الذكية أيضًا تطوير بعض المحاصيل وراثيًا لزيادة قدرتها على تحمّل ارتفاع درجات الحرارة، حيث أجرى معهد البحوث الزراعية تعديلات على بعض المحاصيل مثل القمح، مع التأكيد على عدم استخدامها إلا بعد التأكد من سلامتها الصحية.
هل تسير الدولة بالسرعة المطلوبة في تنفيذ خطط التكيف المناخي؟
على المستوى العالمي، أصبحت التحديات المناخية أسرع من وتيرة الإجراءات المتخذة. وفي مصر، تبرز مشكلة التمويل كأحد أبرز التحديات التي تواجه الدول النامية عمومًا، إذ يشكل نقص التمويل عائقًا رئيسيًا أمام الحد من الآثار السلبية للتغير المناخي.
وفي هذا السياق، أوجّه رسالة إلى الإعلام بضرورة تعزيز الوعي المجتمعي بخطورة التغيرات المناخية وسبل التعامل معها، ليس فقط عبر الحملات التقليدية، بل أيضًا من خلال الدراما والإنتاج الإعلامي، كما حدث في أوروبا والولايات المتحدة، حيث أسهمت الأعمال الفنية في رفع مستوى الاهتمام بقضايا البيئة.

