تقرير: غادة مصطفي
في ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة، لم يعد دور المتاحف مقتصرًا على عرض الآثار وحفظ التاريخ، بل امتد ليشمل مسؤولية بيئية واضحة، تقوم على حماية المقتنيات الأثرية من عوامل التلف، ونشر الوعي بأهمية الاستدامة البيئية. وتقدم المتاحف المصرية نماذج متنوعة في هذا الإطار، تختلف في مستوى الإمكانات، لكنها تتفق في الهدف المشترك المتمثل في صون التراث للأجيال القادمة.
متحف سوهاج القومي… تراث الصعيد بين الأصالة والتحديات
يقع متحف سوهاج القومي بمدينة ناصر بمحافظة سوهاج، على الضفة الشرقية لنهر النيل، ويُعد أحد أبرز المعالم الثقافية في صعيد مصر. وقد استُوحي تصميمه المعماري من معبد الملك سيتي الأول بمدينة أبيدوس، ليحمل طابعًا فرعونيًا أصيلًا يعكس الهوية التاريخية والحضارية للمنطقة.
تبلغ مساحة المتحف نحو ستة آلاف وخمسمائة متر مربع، وبلغت تكلفة إنشائه قرابة اثنين وسبعين مليون جنيه مصري. ويضم المتحف آلاف القطع الأثرية التي توثق مختلف العصور المصرية القديمة، وتُعرض داخل قاعات موضوعية تتناول مظاهر الحياة الاجتماعية، والحرف التقليدية، والمطبخ المصري القديم، إضافة إلى المعتقدات المرتبطة بالبعث والخلود.
ورغم هذه القيمة التاريخية، تواجه البيئة الداخلية للمتحف تحديات بيئية مؤثرة، أبرزها ارتفاع نسب الرطوبة، وعدم استقرار الإضاءة، وظهور تلوث بيولوجي يهدد سلامة المقتنيات. وكشفت دراسة علمية حديثة أُجريت في يونيو عام ألفين وأربعة وعشرين عن نمو أنواع من الفطريات الضارة داخل بعض خزائن العرض، نتيجة عدم توافق الظروف البيئية مع متطلبات الحفظ المثالية، خاصة بالنسبة للمقتنيات العضوية.
وأكدت الدراسة أن عوامل مثل درجة الحرارة، ونسبة الرطوبة، وجودة التهوية، ومستويات الإضاءة، تؤثر بشكل مباشر في حالة القطع الأثرية، وأوصت بضرورة تنشيط نظام التكييف المركزي، والمتابعة المستمرة للظروف المناخية داخل قاعات العرض، إلى جانب تطوير أساليب العرض بما يضمن حماية أفضل للمقتنيات.
كما تناولت دراسة أخرى حالات التلف التي لحقت بأحد الهياكل العظمية المخزنة بالمتحف، وأرجعت أسبابها إلى عوامل كيميائية وفيزيائية وبيولوجية، إضافة إلى التأثير البشري، ما يعكس الحاجة إلى تعزيز إجراءات الحفظ داخل المخازن والمتاحف على حد سواء.
ورغم هذه التحديات، يعكس تصميم القاعات الداخلية وطلاؤها بألوان مستوحاة من الطبيعة الزراعية والصحراوية لمحافظة سوهاج وعيًا بيئيًا بصريًا، يسهم في تعزيز العلاقة بين التراث والبيئة المحلية.
المتحف المصري الكبير… نموذج متقدم للاستدامة البيئية
في المقابل، يبرز المتحف المصري الكبير كنموذج رائد في مجال الاستدامة البيئية والعمارة الصديقة للبيئة، بفضل التعاون بين الجهات المعنية بشؤون البيئة والسياحة والآثار. وقد حصل المتحف على شهادة دولية في البناء الأخضر المتقدم، ليصبح أول متحف في المشرق العربي وقارة أفريقيا يحصل على هذا الاعتماد.
ويعتمد المتحف على تقنيات حديثة أسهمت في تقليل استهلاك الطاقة بأكثر من ستين في المائة، وخفض استهلاك المياه بنسبة ملحوظة، إلى جانب استخدام أنظمة إضاءة ذكية وتصميم معماري يقلل من تأثير الحرارة. كما يسعى المتحف إلى إدارة الانبعاثات الناتجة عن أنشطته، من خلال الرصد الدوري لجودة الهواء ومستويات الضوضاء.
ويتبنى المتحف برامج توعوية بيئية داخل قاعاته، ويشارك في المبادرات الوطنية لزراعة الأشجار، ويواصل التعاون مع الجهات البيئية لرصد نسب التلوث وضمان استدامة التشغيل، ليقدم نموذجًا متكاملًا يربط بين الحفاظ على التراث القديم ومتطلبات الحاضر البيئي.
متحف شرم الشيخ… التوعية البيئية في صدارة الاهتمام
أما متحف شرم الشيخ، فيمثل نموذجًا مختلفًا يركز بشكل أساسي على التوعية البيئية والمشاركة المجتمعية. إذ ينظم المتحف ورش عمل وفعاليات تثقيفية تستهدف مختلف الفئات العمرية، تتناول قضايا بيئية معاصرة، من بينها أهمية حماية طبقة الأوزون ودورها في حماية الأرض من الأشعة الضارة.
كما يشرف المتحف على حملات لتنظيف البيئة المحلية، بهدف غرس قيم المسؤولية البيئية لدى المجتمع والزوار، مؤكدًا الدور التعليمي للمتاحف باعتبارها مؤسسات ثقافية تسهم في بناء الوعي البيئي إلى جانب دورها الحضاري.
متحف التحرير… التزام بيئي في إطار وطني
ورغم محدودية التفاصيل المتاحة حول الإجراءات البيئية داخل متحف التحرير، فإن توجه قطاع المتاحف في مصر يشير إلى إدماج البعد البيئي ضمن استراتيجياته العامة، من خلال التعاون بين المؤسسات الثقافية والبيئية، وتطبيق سياسات تهدف إلى تحسين المناخ الداخلي، ورصد تلوث الهواء، وإدارة النفايات، بما يضمن الحفاظ على المقتنيات الأثرية.
مقارنة التجارب… اختلاف الوسائل واتحاد الهدف
تكشف المقارنة بين هذه المتاحف عن تفاوت واضح في مستوى التطبيق البيئي؛ إذ يتصدر المتحف المصري الكبير المشهد من حيث التقنيات المتقدمة والشراكات المؤسسية، بينما يواجه متحف سوهاج القومي تحديات بيئية تتطلب تطويرًا مستمرًا لأنظمة التحكم المناخي، في حين يركز متحف شرم الشيخ على رفع الوعي البيئي والمبادرات المجتمعية.
ورغم هذا التباين، تجسد المتاحف المصرية مجتمعة نموذجًا عمليًا لكيفية الدمج بين الحفاظ على التراث الثقافي وحماية البيئة، لتظل هذه المؤسسات منارات تعليمية وثقافية، تسهم في ترسيخ مفهوم التعايش المستدام، وصون إرث الأجداد، بما يواكب أهداف التنمية المستدامة ويحمي المستقبل البيئي للأجيال القادمة.

