حوار : رنيم محروس
في ظل التحديات البيئية والمناخية المتصاعدة، يبرز مفهوم البناء المستدام كأحد الحلول الأساسية لإعادة التفكير في علاقتنا بالمدن والموارد. أجرى موقع GREEN Z هذا الحوار مع المهندس الداخلي والمصمم رضوان حكيم، الذي يعمل في دبي، ليقدّم رؤيته المهنية حول واقع العمارة المستدامة في العالم العربي، أهم المواد الصديقة للبيئة، وأفضل الممارسات لتطبيق البناء المستدام في المنطقة
من وجهة نظرك، كيف يمكن وصف واقع البناء المستدام في العالم العربي؟ وما أبرز التحديات التي تواجهه؟
الصورة العامة حتى اليوم تشير إلى عدم وجود وعي كافٍ بأهمية البناء المستدام واستخدام المواد الصديقة للبيئة في الوطن العربي. صحيح أن السنوات الخمس عشرة الأخيرة شهدت محاولات توعوية محدودة، لكنها لم تشمل جميع الدول العربية، بل اقتصرت على بعض الدول التي تسعى لمواكبة منظومة البناء العالمية، من خلال المشاركة في ورش العمل والمعارض الدولية التي تطرح أفكارًا ومواد جديدة قائمة على الاستدامة.
الواقع الحالي يظهر أن معظم الدول العربية لا تزال لا تولي البناء المستدام الأهمية الكافية، رغم وجود جهود مشكورة في بعض الدول تبعث على التفاؤل، وقد تشكّل مدخلًا لانتقال المنطقة بأكملها نحو مسار أكثر استدامة مستقبلًا.
أما التحدي الأكبر، فهو الوعي والمعرفة. فالإنسان عدو ما يجهل، ولو توفرت التوعية للمواطنين والمقاولين والشركات العاملة في قطاع البناء بأهمية استخدام المواد المستدامة والطاقة البديلة والمواد المعاد تدويرها، لوجدنا إقبالًا واسعًا عليها. في كثير من الأحيان، هذه الخيارات لا تقلل الأثر البيئي فقط، بل تساهم أيضًا في خفض تكاليف البناء والصيانة والطاقة، سواء أثناء التنفيذ أو بعده.
هل ترى أن البناء والتصميم المستدام أصبح ضرورة حتمية تفرضها التحديات البيئية، أم ما زال يُنظر إليه كخيار فاخر؟
أنا لا أرى التصميم والبناء المستدام رفاهية على الإطلاق، بل هو ضرورة حتمية تفرضها التحديات البيئية والتغير المناخي، إضافة إلى الحاجة للحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. عندما نصمم مباني تعتمد على ترشيد استهلاك الطاقة والموارد، ونستخدم مواد صديقة للبيئة، وننشئ مساحات صحية، فإننا ننعكس إيجابًا أولًا على جودة حياة الإنسان، وثانيًا على البيئة.
في المقابل، لا أنكر أن البعض لا يزال ينظر إلى البناء المستدام كخيار فاخر، والسبب يعود مرة أخرى إلى ضعف الوعي بوجود هذا النوع من المباني، وبفائدته وأهميته وضرورته.
ما الذي يدفعك للتركيز على استخدام المواد الصديقة للبيئة في مشاريعك؟
ما يدفعنا كمؤسسة وشركة لاعتماد هذه المواد هو الحرص على الحفاظ على البيئة، خاصة أننا نعمل في الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج، حيث نواجه تحديات مناخية واضحة كارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.
نبحث دائمًا عن حلول تصميمية تقلل من هذه التحديات، سواء من خلال شكل المبنى الخارجي، أو انسيابية حركة الهواء، أو طريقة مواجهة أشعة الشمس القوية، إضافة إلى استخدام مواد توفر عزلًا حراريًا ورطوبيًا أفضل. هذه المنظومة المتكاملة، التي تبدأ من التصميم وتصل إلى اختيار المواد، تحقق وظيفتها السكنية أو التجارية، وتحافظ على البيئة، وتقلل بشكل ملحوظ من نفقات الطاقة والتشغيل والصيانة مستقبلًا.
ما أبرز المواد الصديقة للبيئة التي تستخدمها ولماذا تختارها؟
من الأمثلة على المواد الصديقة للبيئة التي نستخدمها:
الخيزران، لكونه سريع النمو ومتجددًا وقويًا مقارنة بوزنه، ومناسبًا للأرضيات والأسقف والديكورات.
الفولاذ المعاد تدويره، لأنه يقلل استهلاك الموارد الطبيعية ويتميز بمتانته وطول عمره.الخشب الهندسي، كبديل مستدام للخرسانة في بعض الاستخدامات، إذ يخزن الكربون بدل إطلاقه.
الطين المضغوط، وهو مادة طبيعية 100% توفر عزلًا حراريًا ممتازًا وطابعًا معماريًا أصيلًا ومعاصرًا.
الصوف الطبيعي للعزل، لما يوفره من عزل حراري وصوتي، كونه مادة غير سامة وتحسّن جودة الهواء الداخلي.
الزجاج المعاد تدويره، الذي يقلل النفايات الصناعية ويسمح بمرور الضوء الطبيعي.
لكن من المهم التنويه إلى أن المبنى المستدام لا يعني بالضرورة استخدام مواد مستدامة فقط؛ ففي بعض الحالات، يكون التصميم بحد ذاته مستدامًا من خلال الشكل المعماري، أو الأسطح الخضراء، أو ما يُعرف بالـ Iconic Shape الذي يكسر حدة أشعة الشمس. كما أن إدخال تقنيات البيت الذكي، وربط أنظمة الطاقة والتكييف بالإدارة الذكية، يساهم أيضًا في ترشيد الاستهلاك ويمنح المبنى صفة الاستدامة.
إلى أي مدى يمكن للأسطح الخضراء أن تكون حلًا فعالًا لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة في الدول العربية؟
إلى مدى كبير جدًا. الأسطح الخضراء يمكن أن تقلل درجة الحرارة على الأسطح من ثلاث إلى سبع درجات مئوية، ما ينعكس مباشرة على خفض استهلاك الكهرباء والطاقة والتكييف، إضافة إلى إطالة عمر المواد المستخدمة وتقليل نفقات الصيانة.
في منطقتنا العربية، التي تتسم ببيئة جافة وصحراوية ودرجات حرارة مرتفعة، نحن بأمسّ الحاجة إلى هذه الحلول، ولا ننسى بعدها الجمالي والبيئي، من خلال إنتاج الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون.-كيف تؤثر المواد المستدامة على العمر التشغيلي للتشطيبات؟ وهل يمكن إعادة تدويرها؟
استخدام المواد المستدامة يطيل العمر التشغيلي للتشطيبات بشكل واضح، خصوصًا عند اعتماد عزل جيد باستخدام مواد مثل الطين والفلين. العزل الجيد يقلل من دخول الحرارة صيفًا، ويخفض استهلاك الطاقة، ويحافظ على الجدران والتمديدات الداخلية من الرطوبة، ما يقلل الصيانة ويرفع العمر الافتراضي للمبنى. كما أن العديد من هذه المواد يمكن إعادة تدويرها واستخدامها مرة أخرى.
برأيك، هل يمكن تطبيق نموذج البناء المستدام بسهولة في مصر؟
بكل تأكيد. مصر دولة عظيمة من حيث المساحة والموارد البشرية والطبيعية، وهي قادرة على تبني فكرة البناء المستدام. لكن ذلك يتطلب دورًا فاعلًا من المؤسسات التعليمية، كالمعاهد والجامعات، لترسيخ هذا الفكر، إضافة إلى دور الجهات التشريعية والبلديات، عبر اشتراط أن تكون المباني الجديدة مستدامة وتستخدم مواد صديقة للبيئة.
أستاذ رضوان هل تأخرنا عن ركب المدن المستدامة؟ وما أول خطوة يجب البدء بها فورًا؟
لا أرى أننا تأخرنا أبدًا. أنظر للأمور بإيجابية، فالكثير من دولنا العربية ما زالت في طور إعادة البناء والتوسع العمراني، وهذه فرصة حقيقية لتكريس مفهوم الاستدامة. في مصر مثلًا، هناك توجه نحو بناء مدن جديدة خارج مراكز الاكتظاظ، ويمكن استغلال ذلك لاعتماد مبانٍ مستدامة منذ البداية.
الخطوة الأولى هي خطة عمل متكاملة، تشمل شركات المقاولات، والمؤسسات الرسمية، والبلديات، والوزارات المعنية بالتطوير العمراني، إلى جانب المؤسسات التعليمية، مع تعزيز الوعي وفرض اشتراطات بيئية على المباني الجديدة. الوصول متأخرًا خير من ألا نصل، والفرصة ما زالت متاحة للبدء الآن.

