في قلب القاهرة القديمة، وتحديداً فوق السفوح الجنوبية الوعرة لجبل المقطم، يمتد عالم لا تشبه قوانينه أي مكان آخر. هنا في “منشية ناصر”، أو ما يُعرف شعبياً بـ “حي الزبالين”، لا تُعد القمامة عبئاً بيئياً أو مخلفات منبوذة، بل هي “الذهب القذر” وعمود اقتصاد موازٍ يضم أكثر من 70 ألف نسمة، نجحوا في تحويل ما يلقيه الآخرون إلى مورد لا ينضب، وميكنة بشرية توفر للدولة ملايين الدولارات سنوياً.
من الهجرة الإجبارية إلى الشراكة الوطنية
لم تكن نشأة هذا المجتمع وليدة المصادفة، بل تعود جذورها إلى قرار تاريخي اتخذه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قبل نحو نصف قرن، بنقل جامعي القمامة من منطقة إمبابة إلى هذه المنطقة الوعرة. ومع مرور العقود، تحولت الهجرة الإجبارية إلى استقرار استراتيجي، وتطور الحي من مجرد “مكب” إلى مركز رئيسي للفرز والتدوير، قبل أن تدمجه الدولة رسمياً ضمن منظومة المخلفات الصلبة في عهد الرئيس السيسي، ليعترف العالم بهذا المجتمع كقلب نابض لمنظومة التدوير في العاصمة.
دورة الإنتاج: خلية نحل لا تهدأ
الدخول إلى الحي يشبه الانتقال إلى “كوكب موازٍ”؛ فرائحة القمامة التي تسبق العين سرعان ما تتلاشى أمام مشهد العمل الدؤوب. ورش صغيرة، شاحنات تتحرك بلا توقف، وبيوت امتلأت أجولتها حتى الأسطح. هنا يعمل الرجال والنساء والأطفال بتناغم مذهل:
-
الجامعون: يجوبون شوارع العاصمة.
-
الفارزون: يفككون المحتويات بدقة متناهية.
-
المشوّنون والمصدرون: يجهزون الخام لشحنه لمصانع المدن الجديدة، بل وإلى الأسواق الدولية مثل الصين.
شحاتة المقدس.. “النقيب” الذي يحرس كنز الأنتيكات
في مدخل الحي، تبرز “فيلا المقدس”، منزل شحاتة المقدس، نقيب الزبالين. من هذا المقر، تُدار تفاصيل العمل اليومي. والمفارقة المذهلة تكمن في الداخل؛ حيث تزين منزله قطع نادرة وأنتيكات ثمينة عثر عليها العمال أثناء الفرز. بالنسبة لـ”المقدس”، فإن هذه المهنة ليست مجرد وظيفة، بل هي “مهمة وطنية” يؤديها المجتمع بفخر واعتزاز.
سوسيولوجيا القمامة: أخبرني ماذا تلقي.. أحدثك عن هويتك!
يمتلك سكان المنشية خبرة اجتماعية لا تُدرّس؛ فهم يقرأون المجتمع من خلال فضلاته. يدركون الفرق الجذري بين مخلفات “القاهرة الجديدة والتجمع والزمالك” المليئة بالماركات وفائض الاستهلاك، وبين مخلفات المناطق الشعبية كـ”إمبابة والشرابية”. ووسط الركام، تبرز قصص “الرزق الخفي”؛ من ذهب مفقود، أو مقتنيات ثمينة، أو ملابس فاخرة تعيد رسم ملامح الثراء داخل هذا المجتمع البسيط.
اقتصاد الأرقام.. “صفر” استيراد للمواد الخام
وفقاً لإحصاءات نقابة الزبالين، تنتج القاهرة يومياً نحو 16 ألف طن من القمامة، يتم التعامل معها كالتالي:
-
8 آلاف طن: مواد صلبة (بلاستيك، زجاج، كرتون، ألومنيوم) يُعاد تدويرها بالكامل.
-
6 آلاف طن: بقايا طعام تُستخدم كعلف رئيسي للخنازير.
-
2000 طن: مخلفات غير قابلة للتدوير يتم دفنها صحياً. هذه الدورة الاقتصادية تساهم بشكل مباشر في تقليل فاتورة استيراد المواد الخام من الخارج، مما يعزز الاقتصاد الكلي للدولة.
الصحة والمناعة.. رواية خارج المألوف
بثقة لافتة، يتحدث شحاتة المقدس عن الجانب الصحي، مؤكداً أن الحي لم يتأثر بجائحة كورونا إلا في حالات نادرة جداً. ويقول بلهجة إيمانية: “الميكروبات التي نتعامل معها خلقت جيشاً من المناعة داخل أجسادنا.. ربنا يقوي من جعل رزقه في القمامة”.
تحديات وصراعات البقاء
رغم القوة الاقتصادية، يظل المجتمع حذراً تجاه “الغرباء والكاميرات”. فالخوف من الضرائب والحساسية الاجتماعية تجاه تصوير النساء يجعلان التوثيق الصحفي هناك “مهمة صعبة”. ومع ذلك، تسعى نقابة الزبالين، التي تضم 100 ألف عضو، إلى انتزاع اعتراف رسمي كامل يضمن حقوقهم ويمنع توغل الشركات الأجنبية في “لقمة عيشهم”.

